من الوعي بتغيّر المناخ إلى العمل: أشرف الشيباني يتحدث عن مستقبل النقل في تونس

يشرح أشرف الشيباني، نقطة الاتصال الوطنية لمشروع «مرونة ميد» (MURUNAMed) في تونس، لماذا ينبغي أن يصبح التكيّف مع تغيّر المناخ جزءاً أساسياً من تخطيط قطاع النقل، وما الذي يأمل أن يحققه المشروع.

بالنسبة إلى أشرف الشيباني، نقطة الاتصال الوطنية لمبادرة «مرونة ميد» في تونس، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان تغيّر المناخ سيؤثر في منظومة النقل في البلاد، فتداعياته باتت بالفعل واقعاً ملموساً.

فالفيضانات تُعطّل حركة التنقّل، ودرجات الحرارة القصوى تزيد من احتياجات الصيانة، فيما تفرض المخاطر الساحلية ضغوطاً متزايدة على البنية التحتية الاستراتيجية.

ويقول أشرف: «لقد تجاوزنا بالفعل المرحلة التي كان يمكن فيها اعتبار التكيّف مع تغيّر المناخ مسألة بعيدة المدى. فالاضطرابات تحدث الآن».

ولا يقتصر التحدي على الأضرار المادية فحسب، إذ يتعين على تونس أيضاً تعزيز منهجية فهم المخاطر المناخية وتحديد أولوياتها وإدماجها في القرارات المتعلقة بقطاع النقل

أشرف الشيباني، منسّق مشروع “مرونة ميد” في تونس

تجاوز نهج الإصلاحات الطارئة 

يتمثل أحد أبرز التحديات الملحّة التي تواجه تونس في اعتمادها على نهج الصيانة التفاعلية. فعندما تتسبب الفيضانات أو غيرها من الظواهر المناخية المتطرفة في إلحاق أضرار بالبنية التحتية، يصبح من الضروري إعادة توجيه الموارد المالية العامة نحو أعمال الإصلاح العاجلة.

ورغم أن ذلك يتيح استعادة الخدمات على المدى القصير، فإنه يقلّص الموارد المتاحة لتنفيذ تدابير من شأنها أن تحول دون تكرار أوجه القصور نفسها مستقبلاً.

ويرى أشرف أن القدرة على الصمود ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار منذ المراحل الأولى لعملية التخطيط. وينبغي أن تستند الدراسات المتعلقة بالطرق والجسور وخطوط السكك الحديدية وأنظمة تصريف المياه إلى بيانات مناخية وهيدرولوجية محدّثة، بدلاً من الاعتماد حصراً على الظروف التاريخية.

وينبغي أن ينطبق المبدأ ذاته على أعمال الصيانة. فبدلاً من تخصيص الموارد بصورة رئيسية استجابةً للأضرار التي وقعت مؤخراً، يمكن لسلطات النقل الاستناد إلى معلومات المخاطر لتحديد الأصول والممرات الأكثر عرضةً للتعطل.

ويقول أشرف: «قد يتطلب تصميم بنية تحتية أكثر قدرة على الصمود تكلفةً أولية أعلى، لكنه يمكن أن يحقق وفورات كبيرة على امتداد عمرها التشغيلي».

بناء قاعدة معرفية أكثر متانة 

سيكون إجراء تقييمات تفصيلية لمواطن الهشاشة وإعداد خرائط للمخاطر المناخية أمراً أساسياً لتحقيق هذا التحول.

فقد تكون السلطات على دراية بأن الفيضانات أو ارتفاع درجات الحرارة أو تآكل السواحل تمثل تهديداً عاماً، من دون أن تتوافر لديها معلومات دقيقة تحدد الأصول التي ينبغي منحها الأولوية. ومن شأن توفير معلومات أكثر تفصيلاً أن يتيح توجيه الاستثمارات استناداً إلى كلٍّ من احتمالية تعطل الأصول والعواقب المحتملة المترتبة على ذلك.

فعلى سبيل المثال، قد يكون طريق ذو حركة مرورية محدودة هو حلقة الوصل الوحيدة بين إحدى المجتمعات الريفية ومستشفى أو سوق أو إحدى الخدمات الأساسية. ومن ثم، قد تجعل أهميته الاجتماعية منه أولوية أعلى من طريق أكثر ازدحاماً تتوافر له عدة بدائل.

كما يمكن لقاعدة معرفية أفضل أن تعزز قدرة تونس على الوصول إلى التمويل الدولي للمناخ. إذ يتوقع شركاء التنمية، بصورة متزايدة، أن توضّح المقترحات الاستثمارية المخاطر المناخية التي ستتم معالجتها، وكيف سيسهم التدخل المقترح في حماية المجتمعات المحلية والنشاط الاقتصادي.. 

آثار الفيضانات في حي حلق الوادي (تونس العاصمة، تونس)
المصدر: ليليا بليز

ترسيخ التنسيق على نحو دائم 

يرى أشرف أن التنسيق يمثل أحد المجالات التي تنطوي على أكبر إمكانات للتحسين.

ويتطلب بناء منظومة نقل قادرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ مساهمة السلطات الوطنية والبلديات ومشغّلي البنية التحتية والباحثين وقطاع الأعمال والمجتمعات المحلية، إذ يمتلك كل طرف معلومات مختلفة ويتحمل مسؤوليات متباينة.

فالبلديات قد تكون الأقدر على تحديد المواقع التي تتكرر فيها الفيضانات، بينما يمتلك مشغّلو البنية التحتية معرفة بأداء كل أصل من أصولها. ويمكن للباحثين توفير التوقعات المناخية والتحليلات الفنية، فيما تدرك المجتمعات المحلية أيّ روابط النقل تُعدّ أساسية للحياة اليومية.

وينبغي أن يتمثل الهدف في إنشاء آليات دائمة لتبادل هذه المعلومات وتنسيق الاستثمارات، بدلاً من الاعتماد على مشاورات متفرقة تُنظَّم في إطار مشروعات منفردة.

ويقول أشرف: «لا يمكن لوزارة أو بلدية أو جهة مشغّلة للبنية التحتية أن تحقق بمفردها قدرة منظومة النقل على الصمود».

التعلّم من تجارب دول حوض البحر الأبيض المتوسط 

لا تواجه تونس هذه الضغوط بمعزل عن محيطها، إذ تشهد بلدان جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط ارتفاعاً في درجات الحرارة، وتغيّراً في أنماط هطول الأمطار، وتزايداً في المخاطر الساحلية.

ويرى أشرف فرصاً لتطوير نُهج مشتركة لتقييم المخاطر المناخية، ووضع المعايير الهندسية، وتعزيز التدريب المهني. كما يمكن للتعاون الإقليمي أن يدعم نُهجاً مشتركة لحماية المناطق الساحلية وتعزيز قدرة الموانئ وممرات النقل الدولية على الصمود.

ومن شأن تجميع المعارف وتبادلها أن يتيح للدول الاستفادة من تجارب بعضها البعض، بدلاً من تطوير منهجيات وأدوات متشابهة بصورة منفردة. كما يمكن أن يسهم ذلك في تحسين الوصول إلى الخبرات المتخصصة والتمويل الدولي.

ما الذي ينبغي أن يحققه مشروع مرونة ميد؟

يتيح مشروع مرونة ميد لتونس وشركائها في المنطقة فرصةً لتحويل الوعي بالمخاطر المناخية إلى إجراءات عملية.

وبحلول عام 2028، يأمل أشرف أن تكون تونس قد كوّنت فهماً أوضح لأصول النقل والممرات الأكثر عرضةً للمخاطر. كما يتطلع إلى أن تصبح القدرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ عنصراً أساسياً ومعتاداً في تخطيط قطاع النقل وتقييم الاستثمارات.

وينبغي ألا يُنظر إليها بعد الآن باعتبارها مجرد اعتبار بيئي اختياري لا يؤخذ في الحسبان إلا بعد اتخاذ القرارات الفنية والمالية الرئيسية.

ولا تقلّ الأهمية المؤسسية التي سيخلّفها المشروع عن ذلك. إذ يأمل أشرف أن يسهم مشروع مرونة ميد في إرساء علاقات عمل مستدامة بين السلطات الوطنية والبلديات ومشغّلي البنية التحتية والباحثين والشركاء الدوليين.

ويشدد على ضرورة استمرار هذه العلاقات حتى بعد انتهاء المشروع.

فالبنية التحتية التي تُصمَّم اليوم ستظل قيد التشغيل لعقود مقبلة، في ظل ظروف مناخية قد تختلف اختلافاً كبيراً عن تلك التي صُممت البنية التحتية الأقدم على أساسها. كما أن تأخير إجراءات التكيّف لن يؤدي إلى تفادي تكاليفها.

ويقول أشرف: «الخيار المطروح ليس ما إذا كان ينبغي الاستثمار في تعزيز القدرة على الصمود، بل ما إذا كنا سنبادر إلى القيام بذلك الآن».