جربة تشقّ طريقها بالدراجة نحو المرونة المناخيّة
في جزيرة جربة، جنوب شرق تونس، لم يعد تغير المناخ مجرد أرقام في تقارير أو تحذيرات على الورق، بل غدا حقيقة يعيشها أهل الجزيرة يوما بيوم ولحظة بلحظة. فوفقاً لصحيفة “الإندبندنت” البريطانية، بات ما يقارب 14% من شواطئ جربة مهددا بشكل متزايد بارتفاع منسوب المياه، في حين تشهد معدلات الأمطار تراجع حاد يبلغ نحو 20%. والأمر لا يقف عند حدود الشواطئ والأمطار، فالبنية التحتية التونسية ذاتها باتت تقف على شفا الخطر، على سبيل المثال، يجد جسر القنطرة، ذلك الشريان النابض الذي شيده الرومان ليربط جربة بالمناطق التونسية الأخرى على امتداد 7 كيلومترات، في مواجهة مصير مجهول في ظل ارتفاع منسوب البحر وضراوة العواصف الموسمية المتكررة.كما ابتلعت المياه مواقع أثرية ومنشآت تاريخية لا تُعوض، فلم يبق منها سوى جداريات فنية تروي بصمت ما كانت عليه روح هذه الجزيرة وعبق حضارتها.

وسرعان ما أدرك الخبراء أن مواجهة تداعيات تغير المناخ لا تقتصر على حماية السواحل أو تطوير البنية التحتية فحسب، بل تستدعي أيضا إعادة النظر في منظومات النقل وتهيئتها لمواجهة واقع مناخي سريع التغير. وفي جربة، بدأت إحدى المبادرات في تحويل الدراجة الهوائية من مجرد وسيلة للترفيه إلى خيار عملي يمكن أن يسهم في مواجهة تغيّر المناخ وبناء منظومة تنقل أكثر استدامة. ومن خلال مشروع «Enviro-Bike»، تعمل جمعية «جربة الفريدة» (Djerba Insolite) جنبا إلى جنب مع الشباب والجمعيات المحلية والشركاء في القطاع السياحي، بهدف ترسيخ ثقافة استخدام الدراجة باعتبارها وسيلة نقل صديقة للبيئة. ولا يقف طموح المبادرة عند تشجيع التنقل بالدراجات فحسب، بل يمتد إلى نشر الوعي بقضايا تغير المناخ وتعزيز الشعور بالمسؤولية تجاه حماية البيئة الفريدة والهشة للجزيرة.
غير أن التصدي لتغير المناخ لا يتوقف عند حدود إنشاء بنية تحتية جديدة، فتغيير العادات اليومية، وتعزيز قدرات المجتمعات المحلية، وابتكار بدائل تنسجم مع واقع كل منطقة واحتياجاتها، لا تقل أهمية عن الاستثمار في المشروعات الكبرى. ومن هذا المنطلق، أطلق فريق جمعية «جربة الفريدة» ورشات لصيانة الدراجات و اصلاحها، أتاحت لـ66 شاب وشابة اكتساب المعارف والمهارات الأساسية اللازمة للعناية بدراجاتهم، بما يمهد الطريق أمام الدراجة لتصبح جزء من حياتهم وتنقلاتهم اليومية. وقد أكد 52 مشاركا، تراوحت أعمارهم بين 10 و22 عاما، أنهم اكتسبوا مهارات جديدة في إصلاح الدراجات، فيما أعربت الغالبية عن رغبتها في إدخال ركوب الدراجة ضمن روتينها اليومي. وما وراء هذه الأرقام دلالة أكبر أن الدراجة قادرة على أن تتحول تدريجيا إلى جزء من ثقافة التنقل في جربة، وأن تسهم في الوقت ذاته في خفض الانبعاثات والحفاظ على البيئة الهشة التي تتميز بها الجزيرة.

ولكي يصبح ركوب الدراجات خيار أكثر سهولة واستدامة أمام السكان والزوار على حد سواء، أنشأ المشروع ثلاث محطات لتأجير الدراجات في أجيم وميدون ومزراية، وهي ثلاث مناطق مختلفة من جزيرة جربة. وجُهزت كل محطة بستّة دراجات، مع إشراك شركاء محليين في دعم تشغيلها من خلال اتفاقيات رسمية، بما يعزز استمرارية المبادرة ويجعل المجتمع المحلي شريكاً أساسياً في نجاحها. ولم يتأخر أثر هذه الخطوة في الظهور، إذ سجلت المحطات منذ انطلاقها متوسط تأجير تجاوز 15ال عملية أسبوعيا، في مؤشر واضح على استعداد السكان والزوار لتبني وسيلة تنقل أنظف وأكثر استدامة وقدرة على الصمود أمام تحديات المستقبل. ومع تطور عدد المحطات وزيادة الدراجات المتاحة، تتسع بدورها الفرصة أمام مزيد من التونسيين لاختيار الدراجة بديلا نظيفا للتنقل.
ولم يفصل المشروع بين تغيير أنماط التنقل ونشر الوعي المناخي، بل جمع بينهما من خلال سلسلة من ورش العمل واللقاءات العامة والجداريات، إلى جانب معرض للصور نجح في الوصول إلى مئات الأشخاص. وكان من أبرز ثمار هذه الأنشطة بروز مجموعة من الشباب الذين باتوا أكثر ثقة وقدرة على الحديث عن آثار تغير المناخ وطرح الحلول الممكنة على المستوى المحلي. وتؤكد هذه النتيجة أن نشر الوعي لا يقتصر أثره على زيادة المعرفة، بل يمكن أن يتحول إلى تغيير ملموس في السلوك وإلى شعور أعمق بالمسؤولية والمشاركة داخل المجتمع. وفي جربة، التي تقف اليوم في مواجهة مباشرة مع تداعيات تغيّر المناخ، تزداد أهمية هذه الجهود يوماً بعد يوم. فمع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميا وتزايد الضغوط التي تواجهها الجزيرة، يصبح دور هؤلاء الشباب في طرح الحلول العملية ونشرها وتشجيع مجتمعاتهم على تبنيها أكثر أهمية من أي وقت مضى. وهكذا، قد تبدو الدراجة وسيلة بسيطة، لكنها في جربة أصبحت جزء من مسار أكبر نحو مستقبل أكثر استدامة وقدرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ.
