القدرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ تبدأ اليوم: فجر وهبه تتحدث عن حماية مستقبل قطاع النقل في مصر

من الموانئ المطلة على البحر الأبيض المتوسط إلى شوارع المدن المكتظة بالحركة، تلقي تداعيات  تغيّر المناخ بظلالها على منظومة النقل في مصر. وتوضح فجر وهبه، بصفتها نقطة الاتصال الوطنية لمشروع مرونة ميد (MURUNAMed) في مصر، لماذا لم يعد تكييف البنية التحتية للنقل مع آثار تغيّر المناخ تحدياً مؤجلاً إلى المستقبل، بل أصبح أولوية ملحّة تفرض نفسها اليوم.

فجر وهبة، نقطة الاتصال لمصر في مشروع MURANAMed

يُشكّل النقل العمود الفقري للمجتمعات الحديثة، فهو يربط الأفراد بفرص العمل والمدارس وخدمات الرعاية الصحية،  يدعم حركة الأعمال والتجارة، ويساهم في استمرار النشاط الاقتصادي. إلا أن تغيّر المناخ، وما يصاحبه من ارتفاع في درجات الحرارة، وزيادة في غزارة الأمطار، وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة، يفرض ضغوطاً متزايدة على منظومات النقل في مختلف أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط.

وفي مصر، تكتسب هذه الضغوط حدة خاصة، فمن سواحل البحر الأبيض المتوسط إلى دلتا النيل، ومع امتلاك البلاد واحدة من أكبر شبكات النقل في المنطقة، باتت آثار تغيّر المناخ واقعاً ملموساً يطال مختلف أنماط النقل.

وبالنسبة إلى فجر وهبه، نقطة الاتصال الوطنية لمشروع مرونة ميد (MURUNAMed) في مصر، لا يوجد أي جزء من منظومة النقل بمنأى عن هذه المخاطر.

وتوضح قائلة: «تتعرض جميع مكونات منظومة النقل، بصورة أو بأخرى، لمخاطر مرتبطة بتغيّر المناخ، غير أن طبيعة هذه المخاطر تختلف إلى حد كبير بحسب موقع البنية التحتية وكيفية استخدامها».

وقد جاءت الأحداث الأخيرة توضح حجم هذه المخاطر، ففي مايو 2025، شهدت مدينة الإسكندرية عاصفة شديدة مصحوبة بأمطار غزيرة ورياح بلغت سرعتها نحو 50 كيلومتراً في الساعة، ما أدى إلى غمر عدد من المناطق بالمياه وشلل الحركة المرورية فيها. وقبل ذلك بأقل من عام، وتحديداً في يونيو 2024، سجلت أسوان درجة حرارة بلغت 49.6 درجة مئوية في الظل خلال موجة حر شديدة. وفي اليوم التالي، ارتفعت درجة الحرارة إلى 50.9 درجة مئوية، مسجلةً بذلك أعلى درجة حرارة على الإطلاق في تاريخ مصر

ميناء الأسكندرية
المصدر: 
Wikimedia Commonshttps://commons.wikimedia.org/wiki/File:Alexandria,_Egypt_(24446586458).jpg

بالنسبة إلى البنية التحتية للنقل، فإن مثل هذه الظروف المناخية تكتسي أهمية بالغة، فالموانئ المطلة على ساحل البحر الأبيض المتوسط تواجه مخاطر الفيضانات الساحلية وارتفاع مستوى سطح البحر، في حين قد تتأثر الطرق في المناطق الحضرية والمنخفضة عقب هطول الأمطار الغزيرة. كما يمكن لفترات الحرارة الممتدة أن تتسبب في تضرر أسطح الطرق وزيادة احتياجاتها من أعمال الصيانة.  وتواجه البنية التحتية للسكك الحديدية ضغوطاً مماثلة، مما يجعل إدماج اعتبارات القدرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ ضمن عمليات التخطيط والصيانة وبرامج التطوير المستقبلية أمراً متزايد الأهمية.

منظومة نقل مترابطة

من الأفكار المحورية التي تؤكد عليها فجر أن منظومات النقل لا يمكن إدارتها باعتبارها مجموعة من مرافق البنية التحتية المنفصلة عن بعضها البعض. فقد تظل أحد الموانئ تعمل بكامل طاقتها، ولكن إذا تعطلت الطرق أو خطوط السكك الحديدية التي تربطها بالمناطق الداخلية، فإن سلسلة الخدمات اللوجستية بأكملها ستتأثر. بهذا السبب، ينبغي التعامل مع القدرة على الصمود من منظور متكامل يشمل منظومة النقل ككل.

و تكشف فجر أن تداعيات هذه الاضطرابات لا تقتصر على البنية التحتية وحدها.

«عندما تتعطل خدمات النقل، قد يواجه الأفراد صعوبة في الوصول إلى المستشفيات والمدارس وأماكن العمل، في حين تواجه الشركات تأخيرات وارتفاعاً في التكاليف واضطرابات تمتد عبر سلاسل الإمداد الخاصة بها».

ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في مدينة مثل القاهرة، حيث تختلف أنماط التنقل بصورة ملحوظة بين مختلف فئات السكان. و أظهر مسح تجريبي حديث لتنقل الأسر، أُجري في إطار بحث حول مفهوم «التنقل كخدمة» (Mobility as a Service – MaaS)، أن استخدام السيارات الخاصة كان النمط السائد بين أفراد العينة المستهدفة، لا سيما الأسر ذات الدخل المرتفع والأكثر اعتماداً على السيارات الخاصة. وعلى الرغم من أن الدراسة لم تُصمَّم لتمثيل أنماط التنقل في القاهرة الكبرى بأكملها، فإنها توضح مدى التفاوت في إمكانية الوصول إلى خيارات النقل المختلفة، وكيف يمكن للاضطرابات المرتبطة بالمناخ أن تؤثر على الأفراد بدرجات متفاوتة بحسب بدائل التنقل المتاحة لهم.

وغالباً ما تكون المجتمعات التي تتوافر لها بدائل أقل للتنقل هي الأكثر تأثراً بهذه الاضطرابات. ولذلك، فإن القدرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ لا تقتصر على البنية التحتية فحسب، بل ترتبط أيضاً بمسألة العدالة الاجتماعية.

تُظهر الصورة حركة المرور على كوبري 6 أكتوبر في القاهرة.
المصدر: https://www.eaglenews.ph/cairo-traffic-poses-daily-test-of-survival/

القرارات الأفضل تبدأ ببيانات أفضل

إن إدراك المخاطر ليس سوى الخطوة الأولى، أما تحديد المناطق الأكثر عرضة لها، فهو ما يمكّن الحكومات من اتخاذ إجراءات فعّالة ومدروسة.

وتؤكد فجر في هذا السياق أهمية تقييم المواطن ورسم خرائط المخاطر المناخية باعتبارهما أداتين أساسيتين. ففي ظل محدودية الموارد، يحتاج صانعو القرار إلى بيانات وأدلة واضحة تساعدهم على تحديد عناصر البنية التحتية الأكثر تعرضاً للمخاطر، وفي الوقت نفسه الأكثر أهمية لاستمرارية خدمات النقل. فعلى سبيل المثال، قد يستوجب طريق يخدم مستشفى، أو ميناءً رئيسياً، أو مجتمعاً معزولاً، أولوية أكبر من طريق آخر يواجه مستوى مماثلاً من مخاطر الفيضانات، نظراً إلى أن تداعيات تعطله ستكون أشد وأوسع نطاقاً.

وتكتسب البيانات المناخية المستقبلية أهمية مماثلة في هذا السياق. فالبنية التحتية التي يجري تصميمها اليوم ينبغي أن تكون قادرة على الصمود ليس أمام الظروف المناخية التي سادت في الماضي، وإنما أمام الظروف المتوقعة خلال السنوات المقبلة.

وهذا يتطلب طرح أسئلة مختلفة منذ مرحلة التخطيط: كيف ستتحمل أسطح الطرق موجات الحر الشديد إذا أصبحت أكثر تواتراً؟ وهل تستطيع شبكات تصريف المياه استيعاب كميات أكبر من الأمطار الغزيرة؟ وما الذي سيحدث لبقية شبكة النقل إذا أصبح أحد خطوط السكك الحديدية الحيوية، أو أحد الجسور، أو طرق الوصول الرئيسية، خارج الخدمة بصورة مؤقتة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة في مرحلة مبكرة يمكن أن تساعد الحكومات على الانتقال من الاستجابة للاضطرابات بعد وقوعها إلى والاستعداد لها مسبقاً.

التعاون والتنسيق بين المؤسسات

لا يمكن لوزارات النقل أن تتولى مهمة التكيّف مع تغيّر المناخ بمفردها. وتؤكد فجر أن تحقيق تقدم ملموس في هذا المجال يتطلب تعاوناً وثيقاً ومستداماً بين مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك الحكومات الوطنية، السلطات المحلية، الجهات المشغلة للبنية التحتية، الباحثون، والقطاع الخاص.

وتسهم كل جهة بما تمتلكه من خبرات ومعارف مختلفة ومتكاملة، سواء من خلال الأدلة العلمية، أو الخبرات الهندسية والفنية، أو المعرفة بالواقع المحلي، أو الخبرة التشغيلية. وفي بلد مثل مصر، حيث تمتد شبكات النقل عبر مسافات شاسعة لتربط بين المدن والموانئ والمناطق الزراعية والمجتمعات الريفية، فإن هذا المستوى من التنسيق والعمل المشترك ليس خياراً، بل ضرورة أساسية.

جسر دسوق للسكك الحديدية
المصدر: 
Wikicommons Media

من التشاور إلى التعاون الفعلي

يتطلب التكيّف الفعّال أيضاً إشراك مختلف الجهات المعنية منذ المراحل الأولى، وليس بعد اتخاذ القرارات أو في المراحل النهائية من العملية. وتميّز فجر بوضوح بين التشاور الرسمي الذي يقتصر على استطلاع الآراء، وبين التعاون الفعلي القائم على المشاركة الحقيقية. فالجهات المشغلة للبنية التحتية تدرك المشكلات المتكررة على أرض الواقع، ويقدّم الباحثون التوقعات المناخية، بينما تمتلك السلطات المحلية معرفة وثيقة باحتياجات مجتمعاتها. كما يستطيع السكان في كثير من الأحيان تحديد مواطن ضعف قد لا تكشف عنها البيانات الفنية وحدها.

ومن الضروري أن تضمن هذه المشاركة إشراك النساء، كبار السن، الأشخاص ذوي الإعاقة، المجتمعات ذات الدخل المحدود، وسكان المناطق النائية بصورة فعّالة، فمنظومات النقل القادرة على الصمود لا تحقق هذا الهدف فعلياً إلا عندما تستجيب للاحتياجات الحقيقية، وتسهم في تحسين إمكانية الوصول وتعزيز القدرة على الصمود لجميع فئات المجتمع دون استثناء.

ما بعد عام 2028

بالنسبة إلى فجر، لن يُقاس نجاح مشروع مرونة ميد (MURUNAMed) بعدد التقارير الصادرة أو ورش العمل المنعقدة، بل بمدى نجاحه في جعل المخاطر المناخية جزءاً أساسياً من عمليات تخطيط النقل والاستثمار فيه وصنع القرار، ليس في مصر فحسب، بل في منطقة البحر الأبيض المتوسط بأسرها.

كما يطمح المشروع إلى بناء روابط مستدامة بين سلطات النقل والباحثين والمؤسسات المعنية بالمناخ والجهات المشغلة للبنية التحتية، بما يتيح للدول التي تواجه تحديات متشابهة مواصلة تبادل الخبرات والتعلّم من تجارب بعضها البعض، حتى بعد انتهاء المشروع بسنوات.

العمل يبدأ اليوم، لا غداً

رسالة فجر واضحة ومباشرة: التكيّف مع تغيّر المناخ ليس أمراً يمكن تأجيله إلى الغد.

ارتفاع درجات الحرارة، زيادة غزارة الأمطار، وتكرار الظواهر الجوية المتطرفة، كلها عوامل بدأت بالفعل في إعادة تشكيل منظومات النقل اليوم. وكل طريق أو خط سكك حديدية أو ميناء أو مطار يتم إنشاؤه الآن، سيظل في الخدمة لسنوات مقبلة في ظل ظروف مناخية ستواصل التغيّر طوال عمره التشغيلي . ولا تزال أمامنا اليوم فرصة للاستعداد لهذه التغيرات واستباق آثارها، لكنها لن تظل متاحة إلى أجل غير مسمى.

والأمر المشجّع هو أن تعزيز القدرة على الصمود لا يعني دائماً إنشاء مشروعات بنية تحتية جديدة وضخمة. فتحسين شبكات تصريف المياه، تحديث المعايير الهندسية، تعزيز برامج الصيانة، وتطوير أنظمة أكثر كفاءة للرصد والمتابعة، كلها إجراءات يمكن أن تُحدث فرقاً حقيقياً دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة أو تغييرات جذرية.

وتجعل الفيضانات الأخيرة التي شهدتها الإسكندرية ودرجات الحرارة القياسية المسجلة في أسوان هذا التحدي أكثر وضوحاً وواقعية. لكنها تؤكد أيضاً الرسالة الأساسية التي تشدد عليها فجر: اتخاذ الإجراءات قبل وقوع الاضطرابات يكون، في الغالب، أكثر فعالية وأقل تكلفة من التدخل بعد تعطل الأنظمة.

وكما تختتم فجر حديثها:

«التغييرات الصغيرة التي نتخذها اليوم يمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً في المستقبل».