لمحة عن تونس: تغيّر المناخ والبنية التحتية للنقل
تُولّد الفيضانات ودرجات الحرارة القصوى وتآكل السواحل مخاطر متعددة ومترابطة بصورة متزايدة في مختلف أنحاء شبكة النقل في تونس.
تتأثر منظومة النقل في تونس بعدة ضغوط مناخية في آن واحد.
فالفيضانات المفاجئة تجعل الطرق غير سالكة وتعطّل حركة التنقّل في المناطق الحضرية، فيما تؤدي درجات الحرارة القصوى إلى تضرر الأسطح الإسفلتية وزيادة الضغوط على البنية التحتية للسكك الحديدية. وعلى امتداد المناطق الساحلية، يشكل تآكل السواحل وعرام العواصف وارتفاع منسوب سطح البحر تهديداً للموانئ وممرات النقل الاستراتيجية.
ويزداد مستوى تعرض البلاد لهذه المخاطر نتيجة تركز السكان والأنشطة الاقتصادية والبنية التحتية على امتداد سواحلها الشمالية والشرقية. ومن ثم، قد تتعرض الطرق وخطوط السكك الحديدية والموانئ والمراكز الحضرية الرئيسية لعدة مخاطر في الوقت نفسه.
الطرق وأنظمة تصريف المياه
يستحوذ النقل البري على النسبة الأكبر من حركة نقل الركاب والبضائع في تونس. غير أن العديد من الطرق الريفية والثانوية لم تُصمَّم لتحمّل الأمطار المتزايدة الغزارة.
وقد تتسبب الفيضانات المفاجئة في انقطاع الطرق في ولايات مثل نابل وسوسة وقابس وتطاوين. وغالباً ما تشتد حدة المشكلات في المناطق التي تعاني من محدودية أنظمة تصريف المياه أو ضعف صيانتها، أو حيث صُممت هذه الأنظمة استناداً إلى أنماط تاريخية لهطول الأمطار لم تعد تعكس الظروف الراهنة.
كما تؤدي درجات الحرارة القصوى إلى تسريع تدهور الأسطح الإسفلتية، مما يزيد من تكاليف الصيانة ويقلّص العمر التشغيلي للبنية التحتية للطرق.
وقد تكون العواقب شديدة بوجه خاص في المناطق الريفية. فعندما يتضرر الطريق الوحيد الذي يربط مجتمعاً محلياً بالأسواق أو بالخدمات الأساسية، قد لا يتوافر أي بديل عملي.
ويقول أشرف الشيباني، نقطة الاتصال الوطنية لمشروع مرونة ميد في تونس: «يجب ألا يقتصر التكيّف مع تغيّر المناخ على مراعاة حالة أحد أصول البنية التحتية فحسب، بل ينبغي أن يأخذ في الاعتبار أيضاً السكان والخدمات والأنشطة الاقتصادية التي تعتمد عليه».

المصدر: ليليا بليز
التنقّل الحضري في تونس الكبرى
في تونس الكبرى، قد تتجاوز الأمطار الغزيرة قدرة أنظمة تصريف المياه المتقادمة على الاستيعاب، مما قد يؤدي إلى غمر الطرق الرئيسية بالمياه وتعطيل خدمات المترو وخط السكك الحديدية تونس–حلق الوادي–المرسى.
كما أن الكثافة العمرانية ووجود أحياء في مناطق منخفضة يجعلان بعض المناطق أكثر عرضة للمخاطر. وقد يحول تعطل خدمات النقل العام دون وصول السكان إلى أماكن العمل والمدارس ومرافق الرعاية الصحية.
وغالباً ما تكون الأسر ذات الدخل المنخفض الأكثر تأثراً بهذه التداعيات، إذ تعتمد بدرجة أكبر على وسائل النقل العام، وقد تكون أيضاً أكثر عرضة للسكن في أحياء مهددة بالفيضانات.
البنية التحتية للسكك الحديدية
تتعرض شبكة السكك الحديدية في تونس لمخاطر الفيضانات وارتفاع درجات الحرارة على حد سواء.
فالخطوط القديمة وأجزاء من الشبكة الساحلية معرضة للأضرار الناجمة عن المياه. وخلال فترات الحر الشديد، قد تتعرض قضبان السكك الحديدية للالتواء، فيما تتدهور مكونات أخرى بوتيرة أسرع.
ويمكن لهذه التأثيرات أن تقلل من موثوقية خدمات السكك الحديدية وتزيد من متطلبات الصيانة. كما تؤكد أهمية النظر إلى شبكة النقل باعتبارها منظومة مترابطة ومتكاملة.
ومن شأن وجود شبكة سكك حديدية أكثر متانة وموثوقية أن يوفر بديلاً لنقل الركاب والبضائع عندما تصبح ممرات النقل البري غير متاحة.

المصدر: Wikicommons Media
الموانئ والبنية التحتية الساحلية
تواجه الموانئ مزيجاً بالغ التعقيد من المخاطر المناخية.
وتؤدي موانئ رادس وصفاقس وسوسة وبنزرت وقابس دوراً أساسياً في حركة التجارة وسلاسل الإمداد في تونس. وفي الوقت نفسه، تتعرض هذه الموانئ لمخاطر تآكل السواحل وعرام العواصف وارتفاع منسوب سطح البحر.
وتعتمد تونس على عدد محدود من الموانئ التي تشكل بوابات رئيسية لوارداتها الأساسية، بما في ذلك الحبوب ومصادر الطاقة. وحتى التعطل المؤقت في أحد الموانئ قد تترتب عليه تداعيات أوسع نطاقاً تطال الشركات والمستهلكين وسلاسل الإمداد الوطنية.
كما تتعرض الطرق وخطوط السكك الحديدية الساحلية لمخاطر مماثلة. وتكتسب هذه المخاطر أهمية خاصة نظراً إلى تركز جزء كبير من البنية التحتية الحضرية والسياحية والاقتصادية في تونس بالقرب من الساحل.
مخاطر مختلفة باختلاف المناطق
لا تتوزع مواطن الهشاشة أمام تغيّر المناخ بالتساوي في مختلف أنحاء تونس.
فتواجه مناطق الوطن القبلي ونابل وبنزرت مخاطر كبيرة ناجمة عن الفيضانات، بينما تواجه تونس الكبرى التأثيرات المتضافرة للكثافة العمرانية وتقادم أنظمة تصريف المياه وغزارة الأمطار.
وتتعرض المناطق الساحلية الشمالية والشرقية لمخاطر الفيضانات وتآكل السواحل وارتفاع منسوب سطح البحر، في حين تواجه المناطق الداخلية والجنوبية درجات حرارة أشد وطأة وظروف جفاف أكثر حدة، مما قد يسرّع من تدهور الطرق غير المعبدة والطرق ذات المواصفات الهندسية المحدودة.
ومن ثم، ينبغي أن يتسم النهج الوطني بالمرونة الكافية للاستجابة لاختلاف الظروف من منطقة إلى أخرى.

المصدر: Wikimedia Commons
تداعيات تتجاوز قطاع النقل
تترتب على الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية للنقل تداعيات اجتماعية واقتصادية تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من الأصل المتضرر نفسه.
فقد تحول الفيضانات دون تمكّن المزارعين من نقل منتجاتهم إلى الأسواق، كما يمكن لإغلاق الطرق أن يعزل المجتمعات الريفية، فيما قد يؤدي تعطل خدمات النقل الحضري إلى تقييد الوصول إلى فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية.
وقد تؤثر التأخيرات في الموانئ على إمدادات الغذاء والطاقة، في حين تفرض أعمال الإصلاح الطارئة المتكررة ضغوطاً إضافية على الموازنات العامة.
ويقول أشرف: «عندما تتعطل البنية التحتية للنقل، تمتد آثار ذلك إلى المجتمعات المحلية والاقتصاد بأكمله. فبناء منظومة نقل قادرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ ليس مجرد هدف هندسي، بل هو عنصر أساسي لتحقيق الأمن الاقتصادي وتعزيز الإدماج الاجتماعي وترسيخ الثقة في المؤسسات العامة».
إجراءات مبكرة وأولويات مستقبلية
بدأت تونس بالفعل في اتخاذ إجراءات محددة الأهداف. وتُظهر الاستثمارات الرامية إلى الحد من مخاطر الفيضانات في مناطق من بينها نابل وبنزرت والمنستير، كيف يمكن توجيه التدابير نحو المواقع التي جرى تحديد مواطن هشاشتها.
كما تعمل البلاد على تطوير آليات لإدارة مخاطر الكوارث وتعزيز الجاهزية المالية. وتُظهر هذه الجهود أن القدرة على الصمود في وجه تغيّر المناخ يمكن إدماجها ضمن ترتيبات مؤسسية دائمة، بدلاً من التعامل معها باعتبارها مجرد استجابة لحالات الطوارئ.
ومع ذلك، لا تزال هناك فجوات كبيرة. إذ ثمة حاجة إلى تقييمات أكثر تفصيلاً لتحديد الطرق والجسور وأجزاء شبكة السكك الحديدية ومرافق الموانئ الأكثر عرضة للمخاطر.
ومن شأن توفير معلومات عن المخاطر على مستوى كل أصل من أصول البنية التحتية أن يساعد السلطات على تحديد أولويات الاستثمار، واعتماد الصيانة التنبؤية، واتخاذ تدابير تشغيلية وقائية. كما يمكن أن يسهم ذلك في تحسين جودة المقترحات المقدمة للحصول على التمويل الدولي للمناخ.
وسيتطلب حماية البنية التحتية للنقل في تونس الجمع بين معلومات أفضل، واستثمارات مادية موجهة، وتنسيق مؤسسي أكثر فاعلية. وستحدد القرارات التي تُتخذ اليوم مدى قدرة شبكة النقل على مواصلة الربط بين السكان والخدمات والأسواق في ظل تزايد الضغوط المناخية.
