بين العواصف الرملية والفيضانات: موريتانيا تعزز مرونة طرقها لمواجهة تغير المناخ
من العواصف الرملية المتكررة في شمال البلاد إلى الأمطار الموسمية والسيول في جنوبها، تواجه شبكة الطرق في موريتانيا تحديات مناخية متباينة حسب المناطق. بالنسبة للشيخنا ولد اكواد، نقطة الاتصال الوطنية لمشروع “مرونة ميد” في موريتانيا، فإن بناء المرونة يبدأ بفهم هذه الخصوصيات المحلية وضمان أخذها بعين الاعتبار مبكراً في القرارات التي ترسم مستقبل البنية التحتية للنقل.

تمثل البنية التحتية للنقل استثماراً طويل الأمد. فالطرق التي تُشيد اليوم يُفترض أن تخدم السكان وتدعم الأنشطة الاقتصادية لعقود قادمة. غير أن هذه الطرق في موريتانيا مطالبة أيضاً بمواجهة بيئة طبيعية تتسم بالتنوع والتحديات.
ففي شمال البلاد، تؤثر الرياح القوية والعواصف الرملية المتكررة على حركة المرور وسلامة الطرق. أما في المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية، فتشكل الأمطار والسيول تهديداً آخر للبنية التحتية، حيث تتسبب في تآكل الطرق وإلحاق أضرار بها وتعطيل حركة النقل. وتُعد الطرق الوطنية والجهوية من أكثر المرافق تعرضاً لهذه المخاطر المتنوعة.
وبالنسبة لشيخنا ولد كواد، فإن هذه التحديات ليست مجرد مخاطر مستقبلية محتملة، بل واقع ينعكس بالفعل على كيفية تشغيل الطرق وصيانتها، في ظل السعي المستمر لضمان استمرارية حركة التنقل والانسيابية المرورية.
ومن هنا، لا تقتصر المرونة المناخية على كونها مسألة هندسية فحسب، بل ترتبط أيضاً بالتخطيط الاستراتيجي: كيف يمكن لموريتانيا أن تواصل تطوير بنيتها التحتية للنقل مع ضمان قدرة الاستثمارات الحالية على الصمود أمام ظروف الغد؟
بلد واحد… ومخاطر مناخية متعددة
تُظهر التجربة الموريتانية بوضوح أن التكيف مع تغير المناخ لا يمكن أن يعتمد مقاربة موحدة تنطبق على جميع المناطق.
فالطرق في الشمال أكثر عرضة للرياح والعواصف الرملية، في حين تواجه المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية تحديات مرتبطة بالأمطار والسيول التي تسرّع من تدهور البنية التحتية، وقد تتسبب في انجراف التربة وإلحاق أضرار مباشرة بالطرق والمنشآت المرتبطة بها.
ولهذا التباين أهمية كبيرة، إذ إن كل نوع من المخاطر يستدعي استجابات مختلفة تأخذ في الاعتبار الخصائص الجغرافية والبيئية لكل محور أو ممر نقل.
وتبرز هذه الهشاشة بشكل خاص خلال موسم الأمطار. فبحسب ولد اكواد، تؤدي التساقطات الغزيرة أحياناً إلى قطع الطرق وتعطيل حركة المرور على محاور حيوية، من بينها طريق نواكشوط – بوتلميت – ألاك – بوغي، إضافة إلى “طريق الأمل”، الشريان البري الرئيسي الذي يربط العاصمة نواكشوط بمدينة النعمة في أقصى شرق البلاد.
وتكشف المواسم المطيرة الأخيرة حجم التحدي. ففي عام 2024، أدت الفيضانات إلى شل حركة المرور على جزء من طريق الأمل غرب مدينة العيون، كما تسببت السيول في إلحاق أضرار بعدد من الطرق المعبدة والمنشآت الترابية في مناطق أخرى. وفي ولاية غورغول، جرفت الأمطار الغزيرة جزءاً من أحد الجسور الرابط بين لكصيبة وأزكيلم. وفي بعض المناطق، قد تؤدي الفيضانات إلى انقطاع الطرق مؤقتاً وعزل التجمعات السكانية لساعات أو حتى أيام.
وتتجاوز آثار الأمطار الغزيرة البنية التحتية للنقل. فخلال فيضانات عام 2022، دُمّر أكثر من 3800 منزل في المناطق المتضررة، إلى جانب أضرار طالت طرقاً وجسوراً وسدوداً ومنشآت للحماية من الفيضانات.
وبالنسبة لشيخنا ولد كواد، فإن هذه التحديات ملموسة بشكل يومي. فبحكم تنقلاته المنتظمة على محور نواكشوط – نواذيبو، يواجه تأثيرات الرياح والعواصف الرملية التي تعيق حركة المرور. أما على محور نواكشوط – النعمة، فتزداد الاضطرابات خلال موسم الأمطار، الذي يتزامن أحياناً مع فترات التنقل المكثف أثناء العطل والمناسبات.
وتؤكد هذه التجارب حقيقة أساسية مفادها أن فهم المخاطر المناخية يبدأ أولاً بفهم ما يحدث فعلياً على أرض الواقع.

المصدر: ويكيميديا كومنز
الرابط: https://commons.wikimedia.org/wiki/File:Coastal_TransSaharan_Highway_in_Mauritania.jpg
نقطة الاتصال الوطنية: حلقة وصل بين المحلي والإقليمي
يُعد الربط بين التجارب الوطنية والتعلم الإقليمي المشترك أحد أهم الأدوار التي تضطلع بها نقطة الاتصال الوطنية في مشروع “مرونة ميد”.
فالمرونة المناخية قضية متعددة الأطراف تتداخل فيها مؤسسات مختلفة. إذ تمتلك سلطات النقل الخبرة المتعلقة بالبنية التحتية والتشغيل، بينما توفر الجهات البيئية المعرفة المرتبطة بالمخاطر المناخية وتأثيراتها البيئية، ويساهم الباحثون والخبراء الفنيون بالبيانات والتحليلات، في حين يمتلك الفاعلون المحليون فهماً مباشراً لتأثير الاضطرابات على المجتمعات والمناطق المختلفة.
ولذلك، فإن جمع هذه الرؤى المتنوعة وتنسيقها يُعد أمراً أساسياً.
ويرى ولد اكواد أن التنسيق بين الإدارات الحكومية يشكل إحدى الأولويات الرئيسية، لا سيما من خلال إشراك الجهات المسؤولة عن البيئة بصورة أكبر في الدراسات التحضيرية التي تسبق تنفيذ مشاريع الطرق.
وهنا تكمن أهمية دور نقطة الاتصال الوطنية، التي تسهم في مواءمة أهداف المبادرات الإقليمية مع أولويات واحتياجات المؤسسات الوطنية، وفي الوقت نفسه نقل خبرات موريتانيا للاستفادة منها ضمن التبادل الإقليمي والدولي.
فالهدف ليس التعامل مع المرونة المناخية باعتبارها قضية منفصلة تُعالج بعد تصميم البنية التحتية، بل إدماجها في مراحل التفكير والتخطيط منذ البداية.
المرونة تبدأ من مرحلة التصميم
تتمثل إحدى أهم الفرص المتاحة أمام موريتانيا في مرحلة التخطيط المبكر للمشاريع.
ويؤكد ولد اكواد أهمية دمج اعتبارات المرونة المناخية بشكل أفضل في دراسات الأثر البيئي، وتكييف مشاريع البنية التحتية مع الخصوصيات الجغرافية لكل منطقة. ويرى أن أحد أبرز التحديات الحالية يتمثل في عدم إدراج المخاطر المناخية بالشكل الكافي ضمن الدراسات الأولية التي تسبق تنفيذ مشاريع الطرق.
وبذلك يتغير السؤال من:
“كيف نُصلح الطريق بعد تعرضه للأضرار؟”
إلى:
“كيف نحد من هشاشته قبل بنائه أو إعادة تأهيله؟”
فالطرق المهددة بزحف الرمال تتطلب دراسة هذه المخاطر منذ مراحل التصميم الأولى، بينما تحتاج المناطق المعرضة للأمطار والسيول إلى دراسات تأخذ بعين الاعتبار حركة المياه وتأثيرها المحتمل على البنية التحتية والمناطق المحيطة بها.
والغاية هنا هي الانتقال من منطق الاستجابة المتكررة للأضرار إلى منطق الوقاية والاستباق.
كما أن لهذا التوجه مبررات اقتصادية واضحة، خاصة في قطاع يتطلب استثمارات عامة كبيرة.
ويقول ولد اكواد: “تكلفة إنشاء الطرق مرتفعة للغاية، ولا يمكننا تجاهل التدابير التي من شأنها تقليص تكاليف صيانتها والمحافظة عليها مستقبلاً.“

المصدر: صفحة Ben Habib على موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك
معلومات أفضل… وقرارات أكثر فاعلية
لا يمكن التخطيط لمواجهة المخاطر المناخية دون معرفة دقيقة بمواقعها وحدّة تأثيرها المحتمل.
وعندما سُئل ولد اكواد عن أهمية البيانات المحدثة وتقييمات الهشاشة وخرائط المخاطر المناخية بالنسبة لصناع القرار، كان جوابه مختصراً وواضحاً:
“[هي ذات] أهمية كبيرة.”
فالبيانات الدقيقة تساعد على تحويل مفهوم المرونة من هدف عام إلى عنصر فعلي يُؤخذ بعين الاعتبار في قرارات الاستثمار.
أي الممرات أكثر عرضة للعواصف الرملية؟ وأين تزداد احتمالات تضرر الطرق بسبب السيول؟ وما المقاطع التي تشهد اضطرابات متكررة؟ وأين يمكن أن تحقق التدخلات الوقائية أكبر أثر على المدى الطويل؟
وتوضح الانقطاعات المتكررة على أجزاء من طريق الأمل أهمية توفير هذه المعلومات. إذ يسمح تحديد النقاط التي تعبرها مياه الفيضانات بشكل متكرر أو تتعرض فيها الردميات للتآكل باستهداف التدخلات الوقائية المناسبة ودمج هذه المخاطر في خطط إعادة التأهيل والصيانة.
كما أن إدراج هذه المعطيات ضمن الدراسات الأولية للمشاريع يضمن أن تصبح المخاطر المناخية عاملاً مؤثراً في تصميم البنية التحتية، بدلاً من التعامل معها فقط بعد وقوع الأضرار.
التعلم وتبادل الخبرات عبر الحدود
رغم خصوصية التحديات التي تواجهها موريتانيا، فإن العديد منها يشبه ما تواجهه بلدان أخرى في حوض البحر الأبيض المتوسط.
ويرى ولد اكواد أن ذلك يفتح آفاقاً مهمة للتعاون من خلال التدريب وتبادل الخبرات العملية.
وينبغي أن يركز هذا التعاون على القضايا الملموسة، مثل التعامل مع زحف الرمال، والاستجابة للظواهر الجوية المتطرفة، والحد من الأضرار الناجمة عن الأمطار والسيول. ومن خلال مشروع “مرونة ميد”، يمكن للدول التي تواجه تحديات متشابهة أن تتبادل حلولها وتجاربها بدلاً من العمل بشكل منفصل.
وهذا التبادل ليس أحادي الاتجاه.
فموريتانيا قادرة على الاستفادة من الحلول والتجارب التي طُبقت في بلدان أخرى، كما يمكن لخبرتها في إدارة الطرق المعرضة لفترات طويلة من الرياح والعواصف الرملية أن تثري النقاش الإقليمي.
ومن هنا، يتمثل دور نقطة الاتصال الوطنية في ربط الاحتياجات المحلية بالخبرات الإقليمية، وضمان توجيه جهود التعاون وبناء القدرات وتبادل المعرفة نحو التحديات الأكثر أولوية على المستوى الوطني.
طموح عملي بحلول عام 2028
بحلول انتهاء مشروع “مرونة ميد” عام 2028، يأمل ولد اكواد أن تشهد موريتانيا تحولاً ملموساً في طريقة إعداد مشاريع الطرق، بحيث تصبح دراسات الجدوى الخاصة بإنشاء الطرق أو إعادة تأهيلها مُدمجة بشكل منهجي لاعتبارات المخاطر المناخية منذ المراحل الأولى للتخطيط.
وقد يبدو هذا الهدف عملياً وبسيطاً، لكنه قد يُحدث فرقاً كبيراً.
فعندما تصبح المخاطر المناخية جزءاً من الدراسات الأولية، يمكن أن تؤثر في خيارات التصميم قبل بدء الأشغال. وعندما تُشرك الجهات البيئية مبكراً، يمكن أن تُسهم خبراتها في تحسين القرارات التقنية. وعندما تتوفر بيانات وتقييمات أكثر دقة، تصبح الاستثمارات أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات الفعلية التي تواجه مختلف مناطق البلاد.
البناء اليوم لمواجهة تحديات الغد
تكشف التجربة الموريتانية أن المرونة المناخية لا تُبنى عند وقوع الأزمات، بل تبدأ مبكراً من مرحلة التخطيط وتقييم المخاطر، مروراً بتصميم البنية التحتية، وصولاً إلى القرارات التي تحدد جاهزية شبكات النقل لمواجهة تحديات المستقبل.
وبالنسبة لنقطة الاتصال الوطنية، فإن الدور لا يقتصر على تمثيل البلد ضمن مشروع إقليمي، بل يشمل بناء جسور بين المعرفة المناخية وتخطيط النقل، وبين المؤسسات المختلفة، وبين التجارب الوطنية والتعلم الإقليمي المشترك.
قد تبدو الرياح التي تؤثر على محور نواكشوط – نواذيبو مختلفة عن الأمطار التي تعطل الحركة نحو النعمة، لكن الرسالة واحدة: تكون المرونة أكثر فاعلية عندما تُؤخذ المخاطر بعين الاعتبار قبل تشييد البنية التحتية، لا بعد وقوع الأضرار.
وهذه هي الفرصة التي يوفرها مشروع “مرونة ميد” لموريتانيا: جعل المرونة المناخية جزءاً أساسياً وطبيعياً من تخطيط الطرق المستقبلية وصيانتها وإعادة تأهيلها، بما يضمن شبكة نقل أكثر قدرة على مواجهة تحديات المناخ المتغيرة.
